قراءة نقدية لرواية “تلك الليلة” للقاص والأديب الاستاذ : عبدالرسول العريبي / تحليل الناقد والاديب الاستاذ اغريبيل.

تلك الليلة
“رواية للمكان”
” نقد لا يهدف إلى إصدار أحكام
يحترم إبداع الكاتب وذكاء القارئ ”

العلاقة هي أحدى المفاهيم الرئيسة في النقد الموضوعي ، وهي علاقة مزدوجة تبادلية بين الذات والموضوع ، بين الوعي والعالم ، بين المبدع وعمله . والموضوع في النص هو النقطة التي يتبلور عندها الإحساس بالوجود عند الكاتب ، هذا الإحساس الذي تكشفه اللحظة الأصيلة التي يفترض أن العمل الأدبي قد تولد عندها .
” تلك الليلة ” … رواية للمكان لا في المكان تحتويه ولا يحتويها تختصر اللحظة و تكثفها ، تفسح مجالاً أرحب للمكان ، تبني علاقتها معه ، تستنفد كل خصائصه وتوظف كل معانيه وثنائياته المتناقضة لتوليد دلالاتها .
أشخاص الرواية لا أسماء لهم ( الصياد ، الفتاة ، الأصدقاء ، السفلة ) المكان وحده يستحوذ على كل الاهتمام ، له أسماؤه وجغرافيته ومخلوقاته ، بينما الأشخاص تم حشدهم لتعميق الإحساس به .
الصياد كان شاهداً على محاولة اغتصاب لم تكتمل تتعرض لها فتاة على أيدي مجموعة من السفلة قاموا باختطافها وإحضارها من المدينة إلى الغابة . المكان كان شاهداً أيضاً ، بل أكثر الشهود حضوراً وتفاعلاً مع الحدث . فرخات المطر لم تتوقف عن الهطول ، والرياح كانت تصعد ثم تتكسر في مفاصل الجبل وعبر أشجار الزيتون ، فيما كان صراخ السفلة يسمع وقد اختلط بعواء ذئاب الغابة في تناغم لا يخلو من الدلالة .
المكان ليس حيث نكون ، بل حيث يجب أن نكون ، من اللحظة الأولى للرواية شرع الصياد في تأسيس علاقة أولى مع المكان ، يسترق السمع إلى همس خفيف تحدثه أوراق الشماري ، وإلى خشخشة الريح في مفاصل أوراق البطوم والزيتون الذي يعود إلى مئات السنين ، وفي لغة تنم عن الوعي بالذات يقول الصياد محدثاً نفسه ، أنا لست مجرد شجرة في الغابة ، أنا الشجرة الأكثر تفرداً فيها .
أن الوعي بالذات هو الفعل الذي تقوم عليه الرواية عبر إدراك بطلها للوجود من حوله من خلال المكان المهيمن على أحداثها وعبر المعاني التي تولدها في ذهن القارئ لزيادة إحساسه بذاته .
الغابة التي أقام الصياد علاقته معها ، هي المكان الذي وعى فيه ذاته وأحس بالوجود من خلال إحساسه بكائناتها ، فالخنافس التي لم تجد لها سكن في الغابة لا تكف عن البحث عن وطن لها ، والأعواد اليابسة التي خيل إليه أنها خاوية وبلا اصل بدت له عنيدة غير قابلة للكسر عندما حاول اقتلاعها من جذورها ، وأشجار البطوم التي صوب بندقيته نحوها لكي يصطاد طيور الحجل المختبئة فيها ، بدت أمامه كأم تحتضن أطفالها في ثبات لا مثيل له .
إن الصياد الذي جاء إلى الغابة يلتمس لنفسه حياة أخرى خارج الضوضاء ، بعيداً عن غابات الإسفلت والطرق المعبدة والشوارع المفعمة برائحة المازوت والمجاري ، وجد نفسه شاهداً على محولة اغتصاب لفتاة من قبل مجموعة من السفلة الذين عقدوا النية على النيل من جسدها وكيانها كله . بدت الفتاة للصياد الذي وقف يشاهدها عن بعد منهارة متهالكة ، تجلس تحت شجرة الزيتون التليدة ، شجرة عالية تقف شاهداً على غزوات مرت وحضارات اندثرت ، إن الوعي بالذات كامن في أعماق النفس ، ينتظر اللحظة المناسبة للظهور . وقد كان مشهد الاغتصاب هو اللحظة التي وعي فيها الصياد ذاته ،أحس بتناغم مرعب بين ما يجري داخل الخيمة وبين ما يجري في الغابة وفي الكون من حوله .
الصياد الذي اكتشف ذاته ، اكتفى بأن يكون هو ذاته ، لم يقم بالخطوة اللاحقة ، اكتفى بمراقبة ما يحدث داخل الخيمة ، اقترب من احد أكمامها تسمر في مكانه يتلصص عبر فتحة فيه .
كان صدى الوجع يتردد في جنبات صدره وهو لا يكف عن مراقبتها غير قادر على الوصول إليها . في تلك الأثناء ركضت الفتاة بعيداً عن الخيمة بعد أن تركها السفلة الذين يأسوا من النيل منها على أمل أن الليل وذئاب الغابة سوف يتكفلان بإرجاعها إليهم .
الصياد الذي وعى ذاته وأعاد اكتشافها ، لم يعد يكتفي بأن يكون هو ذاته ، قام بالخطوة اللاحقة ، صارت ذاته تتسع لذوات الآخرين ، اقترب بحذر من الفتاة ، سحبها بقوة من يدها ومشى وهي تتبعه مرعوبة ، شدد القبضة على أصابعها صاعداً بها إلى قمة الجبل ، لم يعد السفلة قادرين على الإمساك بها ، صار الآن ذئباً في الغابة .
الصياد الذي ترك المدينة فاراً بأجنحة الحلم إلى الفضاء الشاسع ، كانت الغابة هي المكان الملائم لنشوء حلمه . كان لا بد للحلم كي يشكل الذات ويخلق لها وعيها من أن تكون له مادته وموضوعه .
المكان ( الغابة ) الزاخرة بالأحلام الصغيرة والكبيرة هي مادة هذا الحلم وموضوعه فالذئاب لا تكف عن الحلم بقطيع عابر على تؤدة لكي تتعقبه وتظل في أثره ، حتى إذا اطمأنت إلى غفلة الراعي وانزواء الكلاب في المقدمة ، شرعت في إقامة عرسها الدموي . والخنافس التي تدب بلا عنوان لا تكف عن البحث عن وطن لها . والثعالب لا تمل الانتظار على أمل أن تحظى بصيد ثمين . والغزلان تركض و لا تكف عن الركض طمعاً في حياة أبدية . وأشجار النخيل الباسقة واقفة ترنوا إلى الأفق البعيد .
المكان لا تعرفه بجغرافيته وتاريخه فقط ، بل تعرفه بعبق أشجاره البرية ورائحة طينه ، إن الرائحة جزء من المكان قد تغادره عند المساء لكنها تعود إليه حتماً مع ندى الصباح .
الصياد أحس بهذه الرائحة التي صعدت مع كيانه كله ، فجعلته ينتشي ويزهو ويتألق ويحدث نفسه : ما أروع هذا المكان الذي يسمونه ( جرجار أمه ) وكأنه يسمع اسم هذا المكان لأول مرة .
المكان قد يكون الجنة أو الجحيم كما في رسالة الغفران لأبي علاء المعري والكوميديا الإلهية لدانتي ، أو البحر والصحراء والأزقة والحواري القديمة كما في أعمال العمامي والكوني وخليفة الفاخري ، وقد يكون الغابة كما في روايتنا (تلك الليلة) لأديبنا القاص عبد الرسول العريبي .
المكان في تلك الليلة تم توظيفه لخلق دلالات النص عبر إيمائية عناصره ومكوناته الني تعكس الواقع ، منسجمة معه أو مختلفة ، متحدة في دلالاتها أو متناقضة .
الغابة المكان المفضل لدي الرومانسيين وكل الحالمين ، تعكس واقع المجتمع ، فالذئب حيوانها المفترس يتماثل مع ذئب المدينة ( الإنسان ) في غدره ومكره ودمويته . والافتراس هو سلوك عدواني يمارسه ذئب الغابة حيال مخلوقاتها الضعيفة ، لا يختلف عن الافتراس المعنوي (الاغتصاب ) الذي يمارسه ذئب المدينة تجاه المرأة أرق مخلوقاتها . والذئب يشبه الإنسان في طريقة قنصه وصيده ، فهو يصطاد بمفرده وفي مجموعات ، ويتبع فنون وأساليب كتلك التي يتبعها الإنسان ، فالسفلة هم قطيع من الذئاب جمعتهم الرغبة في الافتراس ، والفتاة هي ضبي شارد أو حمل وديع ظل طريقه وسط الغابة .
المكان فرض تحدياته على الصياد ، والغابة صنعت منه بطلاً وفق مقاييسها . فابن المدينة الهارب إليها على أجنحة الحلم ، الرافض لثقافة الإسمنت والشوارع المفعمة بروائح المازوت ، تشبع بقيم الغابة ومثلها ، وصار كأحد كائناتها ، فيه جسارة الذئب وحذر الثعلب وثبات أشجار البطوم وعراقة الزيتونة ، وتفاؤل الخنافس التي لا تعرف اليأس .
( تلك الليلة ) ..رواية تمت بصلة ما ، وتربط بنسب ولو من بعيد إلى الرومانسية ، تختفي داخل لغتها الشعرية لغة أخرى مغايرة ، تصوغ وتبلور عالماً من القيم والمفاهيم . بطلها الصياد يؤمن بالقدر وبأن المرء قد يجد نفسه في خدمة الخير دون أن يعلم ودون أن تكون لديه رغبة في ذلك ، يقرض الشعر ويتعاطى الكتابة ، ويبحث عن قارئ واحد يفهمه . فهل كنت ذلك القارئ ..؟ .

اغريبيل*

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s