الشبح القديم / محمد بلكوز

36480463_255348638559855_7667687719207698432_n

قصة قصيرة
“الشبح القديم”
فوق الرصيف يجلس متأملا فيما كان وفيما يكون…
كلما انتهى شريط، سحب آخر ونشره نصب عينيه يستعيد الحلو والمر، قد يطول الشريط ليأخذ منه مدة علبة السجائر، وقد يقصر بقدر سيجارة وخط سعوط تليه عطسة، تنعش فيه خلايا استعادة ما انفرط من عقد العمر…
ينكت الأرض بسبابة يمناه، يرتشف السجارة بيسراه، يضرب بمقدم قدمه اليمنى الأرض بإيقاع بطيء، يحرك الشمال بدقة تساير الإيقاع، يرسم بأنفاسه المدخنة خطوطا يتوهمها أشكالا تفيض بالمعاني، يهز رأسه بتأن…
تحسبه منتشيا يترنح من حدة السكرة، بينما هو يغرق شيئا فشيئا في مستنقع لا قرار له.
في الجهة المقابلة تنتصب راية متعددة الألوان، ترفرف بتمهل محدثة حفيفا مسموعا، وبجانبها ترتفع بناية ضخمة تقف في كبرياء يناطح السماء، أبوابها كثيرة تزدحم فيها الحركة دون أن تحدث ضجيجا ولا صخبا، نوافذها مشرعة تكشف عن حياة مفعمة بداخلها.
تدرك من أول نظرة أن مرتادي البناية ذوو أهمية وشأن، “يلبسون الغالي، ويركبون العالي”.
عن له أن ينتقل إلى جهة البناية، تردد، أمعن النظر في صف السيارات الفخمة التي تصطف قبالة العمارة الشاهقة، يمسح بعينيه النازلين منها إناثا وذكرانا، يمتحن كل واحد منهم من بعيد، يحكم على هذا بأنه من معدن صدئ، وذاك قبضة ترابه نتنة، وهذه تعفنت فطرتها، والأخرى اهترأت آدميتها…
انفلتت منه ابتسامة استهزاء، أتبعها بتصفير رقيق، ثم قال باستهجان:
– كل شيء بين لذي عينين!!
كان ليضرب عن فكرة الانتقال إلى تلك الجهة الموبوءة، كما بدا له، فهو لا يريد أن يعلق به رذاذ تفاهتهم، ويتدنس بقبح فعالهم، لأنه صاحب مبدإ، وعلاوة على ذلك يمتلك وعيا وثقافة.
فقد حصل بجده على أعلى النتائج في مساره الدراسي، وتوج كل ذلك بشواهد تشهد على تفوقه وحدة ذكائه، بشره الجميع -وأكدوا له ذلك تأكيدا- أن يكون له شأن عظيم، لا سيما وأن تخصصه نادر يتيح له فرصة ولوج عالم الشغل من أي الأبواب شاء، لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
عرف فيما بعد أن عدم تمكنه من الحصول على الوظيفة، سببه خلل في أسرته لأنها من طينة دون المستوى، تتقلب في أوحال الفقر، لا تملك قيمة الدفع المسبق لتهيئة سكة الوصول.
لولا أنه تحسس جيوبه، وسمع قرقرة بطنه، وتراءى له في الأفق ليل مدلهم، للزم الرصيف ولم يتحرك، واكتفى برصد الحركات المشبوهة، كما حدث نفسه…
لم يفهم كيف وجد نفسه وسط هذا الكم الهائل من التفاهة… يتحرك بسبابة ساقطة توارت كرامتها تحت كعبها العالي… يلبي طلبات سفيه كلما اشتدت ثمالته تحول إلى مفترس، لولا رصيده المكتظ لكان في محمية الحيوانات… يتصنع بسمة لم يألفها من قبل… يتحدث بلغة رقيقة لا توافق طباعه… يأتي بحركات منضبطة الإيقاع طالما سخر من أصحابها.
رأى القرف يحيط به من كل الجوانب، أمواجه تعبث بطموحاته المكبوتة، تياراته تتلاعب بعواطفه، وتستفز في كيانه كل ذرة أمل… يغرق في زبد العفونة، و قد بدأ يفقد تنفس مبادئه وقيمه التي كانت شارة عز وتفاخر، يتباهى بها، ويدافع عنها بشراسة، لأن التخلي عنها وتجاوزها، يجعل من المرء مجرد حزمة من السفالة والانحطاط…
انخرط في دوامة شرود، أسلم أمره لضمير يعاتبه ليل نهار… كل شيء في عالمه الأصلي فقد صبغته، تلك المملكة المثالية التي ضحى من أجلها بالكثير، ها هو يتخلى عن عرشها غصبا، ويرفع راية الذل إذعانا وانهزاما…
انتفض من شروده فجأة، وانتصب قائما يتصنع بسمة زائفة، ويطأطئ رأسه مظهرا استعداده لتقديم أي خدمة.
– هنا لا مجال للعبوس، واكفهرار الوجوه، تلك صفات من يفترشون الأرصفة، وإلا تصرفت بما يجب!!
كلمات بمثابة رصاصات تجهز على آخر نبضات الأمل، إما أن ينهي عهده بشبحه القديم، وينخرط في الحياة كما اتفق، وإما يحث خطاه ليرسم بأنفاسه المدخنة دوائر مفرغة يشحنها بالهلوسات!!
ردد كلمة الرصيف أكثر من مرة، استعاد بعضا من سالف ذكرياته معه، ليل مدلهم، جيوب فارغة، بطن تقرقر، سجارة رديئة… والتأمل فيما كان وفيما لم يكن…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s