ذاكرة القلوب ( قصة قصيرة ) / عماد حمدي .. مصر

37348074_10214598476653374_494961892435951616_n.jpg

” ذاكرة القلوب ”

فتح عينيه ببطء، مستلقي على سرير طبي بغرفة أنيقة، دوار عنيف يعصف برأسه
مازال يجهل كل شيء، وابل من تساؤلات أثقل تفكيره بلا طائل فالبحث عن الذات يعد أمر مستحيلا عندما تتلاشى الذاكرة
تلفت حوله في حيرة يبحث عن إجابات .. ما سر وجوده هنا ؟! 
وما هذا المكان الذي يغلفه الغموض ؟ .. قاطع شروده دخول ممرضة تحمل صحيفة من الطعام، ساعدته في إسناد ظهره الى وسادة كبيرة، ووضعت الطعام أمامه
حاول سؤالها فقاطعته قائلة :
– لا عليك .. نحمد الله على نجاتك من الحادث، وما هي إلا أيام وتسترد عافيتك و… ذاكرتك
فقط كن هاديء فالأمر يحتاج الى الراحة حسب تعليمات الطبيب، هناك شخصية تتردد يوميا وتود مقابلتك ، واليوم تم السماح لها، حاول أن تتمالك أعصابك فالإنفعال خطر يهدد حياتك
وابتسمت إبتسامة هادئة ثم انصرفت دون أن تعطي له الفرصة للسؤال عن أي شيء

عندما تتخطى حاجز الزمان والمكان .. عندما يتحول الماضي الى عدم ..
تتسارع أنفاسك في البحث عن ماهية وجودك ..
شريط أبيض لا يحوي أي علامات أو تفاصيل
طرقات هادئة على باب الغرفة، يتحرك مقبضه وتدلف منه سيدة في منتصف العمر يحمل وجهها علامات إرهاق وتحاول جاهدة الثبات، وبخطوات بطيئة تدنوا منه بنظرات معلقة عليه تحمل حنين وشوق وآهات، تقترب وتجلس على المقعد المجاور للفراش دون أن تتفوه بكلمة واحدة
نطقت عيناه بدهشة غير عادية لكن شيئا ما جعله صامت يتفرس ملامحها
تتطابق الصورة مع اللا شيء، وبالرغم من هذا هناك راحة خفية تخللت كيانه
طال الصمت … وجاء سؤاله يحمل الكثير من الرجاء : – من أنت ؟
– أنا من خلقت لأجلك
عاود سؤاله مرة أخرى طلبا للتوضيح
– من أنت ؟
حمل صوتها حزن جارف وانكسار لا حد له
– أنا من قدر لي أن أفقدك وأنت معي
أنا من أصبحت غريبة عنك وأنا منك
أنا من أحمل اسمك وكل عنواني أنت
واختنقت الكلمات ثم أشاحت بوجهها بعيدا بعد أن تلألأت الدموع بعينيها

خطوط متناثرة وضحت بالشريط الأبيض تحمل مشاهد من عمق الزمن لا تفضي الى شيء بل زادت من انفعاله والذي خرج عن السيطرة فأطاح بيده صحيفة الطعام ليتناثر على أرضية الغرفة محدثا جلبة جاء على أثرها عدد من الممرضات ليحاولن تهدئته والطلب من السيدة المغادرة فورا لكنه صاح بهن :
– لا … أتركوها
ثم التفت اليها
– سامحيني .. فما يعصف بي ليس لدي قدرة على تحمله، شيء ما يحدثني بأنك أقرب الي من نفسي، نداء خاص يطالبني بألا تغادري وتتركيني .. لا تتركيني
نبض خفي يرجوك بأن تبقي معي
وبدأت الخطوط تزداد بالشريط الأبيض مع فيض من مواقف تتوالى بشكل سريع غير واضحة التفاصيل
نهضت من المقعد وجلست على طرف الفراش بما تبقى من تحملها
– لن أتركك أبدا فجدران حياتي أنت و كل مـ …….. تباطئت الحروف وزاغت عيناها ووضح أنها على وشك فقدان الوعي فصرخ بالممرضات في انفعال مفاجيء
– أسرعوا بالله عليكم .. أحضروا الطبيب .. إنها .. انها مريضة بالسكر ،،،
فتحت عيناها في لهفة وسعادة تفوق الحدود وكأن الدعاء قد تخطى السماء واستجاب
دفعت بنفسها اليه باكية فاستقبلها فاتحا ذراعيه في عناق حار دمعت له الممرضات
تواصلت الخطوط بذاكرة القلوب لتأتي التفاصيل واضحة
وعادت الذاكرة لتثبت أن المشاعر قد تعيد من العدم كل شيء
وأن هناك أشياء لا تستوعبها العقول لتظل على الدوام راسخة … بذاكرة القلوب

#عماد_حمدي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s